تمــرد امرأة

أحيانا كان يبدو لها طاغية يلهو بمقصلة اللغةكان رجلاً مأخوذاً بالكلمات القاطعة, والمواقف الحاسمة.

وكانت هي امرأة تجلس على أرجوحة “ربما”.

فكيف للّغة أن تسعهما معاً؟

هو لم يقل سوى “كيف أنت؟”

وهي قبل اليوم لم تكن تتوقع أن يربكها الجواب عن سؤال كهذا.

وإذ بها تكتشف كم هي رهيبة الأسئلة البديهية في بساطتها, تلك التي نجيب عنها دون تفكير كل يوم, غرباء لا يعنيهم أمرنا في النهاية, ولا يعنينا أن يصدقوا جوابا لا يقل نفاقا عن سؤالهم. ولكن مع آخرين, كم يلزمنا من الذكاء, لنخفي باللغة جرحنا؟

بعض الأسئلة استدراج لشماتة, وعلامة الاستفهام فيها, ضحكة إعجاز, حتّى عندما تأتي في صوت دافئ كان يوما صوت من أحببنا.

“كيف أنتِ؟”

صيغة كاذبة لسؤال آخر.

وعلينا في هذه الحالات, أن لا نخطئ في إعرابها.
فالمبتدأ هنا, ليس الذي نتوقعه.

إنه ضمير مستتر للتحدي, تقديره “كيف أنت من دوني أنا؟”
أما الخبر.. فكل مذاهب الحب تتفق عليه.
من الأسهل علينا تقبل موت من نحب. على تقبل فكرة فقدانه, واكتشاف أن بإمكانه مواصلة الحياة بكل تفاصيلها دوننا. ذلك أن في الموت تساوياً في الفقدان, نجد فيه عزاءنا.

كانت تفاضل بين جواب وآخر, عندما تنّبهت إلى أن جلستهما قد أصبحت فجأة معركة عاطفية صامتة. تدار بأسلحة لغوية منتقاة بعناية فائقة.

وإذ بالطاولة المربعة التي تفصلهما, تصبح رقعة شطرنج, اختار فيها كل واحد لونه ومكانه.

واضعا أمامه جيشا.. وأحصنة وقلاعا من ألغام الصمت, استعدادا للمنازلة.

أجابته بنيّة المباغتة:

– الحمد لله..

الأديان نفسها, التي تحثنا على الصدق, تمنحنا تعابير فضفاضة بحيث يمكن أن نحملها أكثر من معنى. أوليست اللغة أداة ارتياب؟

أضافت بزهو من يكتسح المربع الأول:

– وأنت؟

ها هي تتقدم نحو مساحة شكه, وتجرده من حصانه الأول. فهو لم يتعود أن يراها تضع الإيمان برنسا لغويا على كتفيها.

ظلت عيناها تتابعانه.

هل سيخلع معطفه أخيراً, ويقول إنه مشتاق إليها. وأنه لم يحدث أن نسيها يوماً؟

أم تراه سيرفع قبة ذلك المعطف, ويجيبها بجواب يزيدها برداً؟

أي حجر شطرنج تراه سيلعب, هو الذي يبدو غارقا في تفكير مفاجئ, وكأنه يلعب قدره في كلمة؟

تذكرت وهي تتأمله, ما قاله كاسباروف, الرجل الذي هزم كل من جلس مقابلا له أمام طاولة شطرنج.  قال: “إن النقلات التي نصنعها في أذهاننا أثناء اللعب, ثم نصرف النظر عنها. تشكل جزءا من اللعبة, تماما كتلك التي ننجزها على الرقعة”.  لذ تمنت لو أنها أدركت من صمته, بين أي جواب وجواب تراه يفاضل.

فتلك الجمل التي يصرف القول عنها, تشكل جزءا من جوابه.

غير أنه أصلح من جلسته فقط. وأخذ الحجر الذي لم تتوقعه.

وقال دون أن يتوقف عن التدخين.

– أنا مطابق لك.

ثم أضاف بعد شيء من الصمت.

– تماماً..

هو لم يقل شيئا عدا أنه استعمل إحدى كلماته “القاطعة” بصيغة مختلفة هذه المرة.

فانقطع بينهما التحدي.

وهي لم تفهم. فعلا.. لم تفهم كيف أن صمتا بين كلمتين أحدث بها هذا الأثر

 

بكلمة, كانت يده تعيد الذكرى إلى مكانها. وكأنه, بقفا كلمة, دفع بكل ما كان أمامهما أرضا. ونظف الطاولة من كل تلك الخلافات الصغيرة التي باعتهما.

هي تعرف أن الحب لا يتقن التفكير. والأخطر أنه لا يملك ذاكرة.

إنه لا يستفيد من حماقاته السابقة, ولا من تلك الخيبات الصغيرة التي صنعت يوما جرحه الكبير. وبرغم ذلك, غفرت له كل شيء.

“قطعا” كانت سعيدة, بهزيمتها التي أصبح لها مذاق متأخر للنصر.

سعادته “حتما” بنصر سريع, في نزال مرتجل, خاضه دون أن يخلع “تماما” معطفه!

أحلام مستغانمي

تعجبني دوما النصوص التي تعبر عن تمرد وقوة وشراسة  المرأة و ذكائها الخفيّ   …..

About orangee

Soo simple girl , always spreading smiles around the world :) soo optimistic about her life ;)

Posted on December 28, 2010, in أحلام مستغانمي. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Any idea ?! ^_^

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: